الشيخ محمد هادي معرفة

199

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

سور مكّية . كقوله تعالى : « وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » ، « 1 » ولم يستثنها أحد . وكذلك قوله تعالى : « وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ » . « 2 » وأمثال ذلك كثير . الثالثة : قوله تعالى : « وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ » . « 3 » قرأ ابن كثير وأبو عمرو : « يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا » « 4 » قيل : نزلت في جماعة من اليهود ، قالوا : يا محمد صلى الله عليه وآله أنزل اللّه عليك كتابا ؟ قال : نعم . قالوا : واللّه ما أنزل اللّه من السماء كتابا . وقيل : نزلت في مالك بن الصيف ، وكان حبرا من أحبار يهود قريظة ، وكان سمينا ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، أما تجد في التوراة : « إنَّ اللّه يبغض الحبر السمين » ؟ . فغضب وقال : ما أنزل اللّه على بشر من شي وقيل : الذي خاصم النبيّ صلى الله عليه وآله في هذا المقال هو فنحاص بن‌عازوراء اليهودي . وقيل : نزلت في مشركي قريش ، حيث أنكروا النبوّات رأسا . « 5 » قال أبو جعفر الطبري : وأولى هذه الأقوال بالصواب ، هو القول الأخير ، إذ لم يجر لليهود ذكر قبل ذلك . وليس إنكار نزول الوحي على بشر ممّا تدين به اليهود ، بل المعروف من دينهم الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود . ولم يكن الخبر بأنّها نزلت في اليهود خبرا صحيحا متصل السند ، ولا أجمع المفسّرون على ذلك . وكان سياق السورة من أوّلها إلى هنا جاريا في المشركين ، فناسب أن تكون هذه الآية أيضا موصولة بما قبلها لامفصولة منه . فلم يجز لنا أن ندّعي فصلها إِلّا بحجّة قاطعة من خبر أو عقل . ولعلّ الذي

--> ( 1 ) - العنكبوت 46 : 29 . ( 2 ) - العنكبوت 47 : 29 . ( 3 ) - الأنعام 91 : 6 . ( 4 ) - الكشف ، ج 1 ، ص 440 . ( 5 ) - جامع البيان ، ج 7 ، ص 177 ؛ ومجمع البيان ، ج 4 ، ص 333 .